سهيلة عبد الباعث الترجمان

454

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

ليسوا من أهلها ، وهذا ما أدّى إلى تكفيره ووصفه بالمروق والزندقة ، والواقع أنه بعيد كل البعد عن هذا كله لما ورد في أقواله بصريح العبارة عن تمسكه بالكتاب والسنة والتزامه بالتكاليف الشرعية وتأديتها على أكمل وجه . ويلاحظ أن ابن عربي قد جمع في هذا الصدد بين وحدة الشهود ووحدة الوجود ، فهو لم يقنع بقوله " لا إله إلّا اللّه " بل زاد إلى هذه العبارة فقال " لا موجود إلّا اللّه " . ولنا أن نتساءل ، ما الذي ترتب على قول ابن عربي بوحدة الوجود ؟ هل سيقول بوحدة الأديان وبالتالي نفي تكثرها وتعددها ؟ هذا ما سنتبينه في الصفحات القادمة من البحث . وحدة الأديان : يرتكز مبحث وحدة الأديان عند ابن عربي على نظريته في الإنسان الكامل أو ما يسمى " بالحقيقة المحمدية " « * » . ونظرية الإنسان الكامل هي مصدر جميع الشرائع والنبوّات ، ومصدر جميع الأولياء أو أفراد الإنسان الكامل ( وهم الأولياء من أهل الحق ) . والصوفية بصفة عامة ، وابن عربي بصفة خاصة يسلّمون بمبدأ وحدة الأديان ، فالدين كله واحد ، وهو للّه ، مهما تعددت صوره وأشكاله . وقد ذهب ابن عربي في هذه النظرية مذهب الحلاج الذي يرى أن هذه الأديان إن هي إلّا أسماء لحقيقة واحدة وفروع لأصل واحد . وتتلخص هذه النظرية في أن الأديان كلها للّه ، شغل بكل دين طائفة ، فاليهودية والنصرانية والإسلام وغير ذلك من الأديان إنما هي ألقاب مختلفة وأسام متغايرة ، والمقصود منها لا يتغير ولا يختلف « 1 » . وهذا يعني بعبارة أخرى : أنه ما دام اللّه هو الذي تجري مشيئته على عباده بما شاء ، وما دام هو الذي يقضي على هذا الإنسان أو ذاك بأن يكون يهوديا أو نصرانيا أو مسلما ، فلا محل إذن لأي اختلاف بين الأديان من حيث الحقيقة ، أما ذلك الاختلاف الواقع بين الأديان ، فإنه ليس اختلافا في الأصل

--> ( * ) هذه النظرية تبلورت وظهرت بصورة جلية واضحة عند عبد الكريم الجيلي في كتابه " الإنسان الكامل " حيث يردّ الوجود كله إلى حقيقة وجودية واحدة انبثق عنها كل وجود ، وهي الحقيقة المحمدية أو الإنسان الكامل ، وهو ما وصفه ابن عربي بقوله : " هو الإنسان الحادث الأزلي والنشئ الدائم الأبدي " ، ( الفصوص ، ص 50 ) . ( 1 ) . Massignon , Recueil de textes inedits , Paris , P , P , 858 - 859 .